فصل: تقدير النفقة وأساسه:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فقه السنة



.تقدير النفقة وأساسه:

إذا كانت الزوجة مقيمة مع زوجها، وكان هو قائما بالنفقة عليها، ومتوليا إحضار ما فيه كفايتها، من طعام، وكسوة، وغيرهما، فليس للزوجة أن تطلب فرض النفقة، حيث أن الزوج قائم بالواجب عليه.
فإذا كان الزوج بخيلا لا يقوم بكفاية زوجته، أو أنه تركها بلا نفقة، بغير حق، فلها أن تطلب فرض نفقة لها من الطعام، والكسوة، والمسكن.
وللقاضي أن يقضي لها بالنفقة، ويلزم الزوج بها متى ثبت لديه صحة دعواها.
كما أن لها الحق أن تأخذ من ماله ما يكفيها بالمعروف، وإن لم يعلم الزوج، إذ أنه منع الواجب عليه وهي مستحقة له، وللمستحق أن يأخذ حقه بيده متى قدر عليه.
وأصل ذلك ما رواه أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
عن عائشة، رضي الله عنها: أن هندأ قالت: يارسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي.
إلا ما أخذت منه، وهو لا يعلم؟ فقال: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف».
وفي الحديث دلالة على أن النفقة تقدر بكفاية المرأة مع التقييد بالمعروف، أي: المتعارف بين كل حهة باعتبار ما هو الغالب على أهلها، وهذا يختلف باختلاف الازمنة، والأمكنة، والاحوال، والاشخاص.
وقد رأى صاحب الروضة الندية: أن الكفاية بالنسبة للطعام تعم جميع ما تحتاج إليه الزوجة، فيدخل فيه الفاكهة وما هو معتاد من التوسعة في الاعياد، وسائر الاشياء التي قد صارت بالاستمرار عليها مألوفة، بحيث يحصل التضرر بمفارقتها أو التضجر، أو التكدر.
قال: ويدخل فيه الادوية ونحوها، وإليه يشير قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} فإن هذا نص في نوع من أنواع النفقات: إن الواجب على من عليه النفقة رزق من عليه إنفاقه.
والرزق يشمل ما ذكرناه.
ثم ذكر رأي بعض الفقهاء في عدم وجوب ثمن الادوية، وأجرة الطبيب، لأنه يراد لحفظ البدن، كما لا يجب على المستأجر أجرة إصلاح ما انهدم من الدار.
ورجح دخول العلاج في النفقة، وأنه واجب فقال: وقال في الغيث: الحجة أن الدواء لحفظ الروح فأشبه النفقة.
قال: وهو الحق لدخوله تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم: «ما يكفيك».
وتحت قوله تعالى: {رزقهن}.
فإن الصيغة الأولى عامة باعتبار لفظ ما.
والثانية عامة، لأنها مصدر مضاف.
وهي من صيغ العموم.
واختصاصه ببعض المستحقين لايمنع من الالحاق.
قال: وبمجموع ما ذكرنا، يقرر لك أن الواجب على من عليه النفقة لمن له النفقة، هو ما يكفيه بالمعروف، وليس المراد تفويض أمر ذلك إلى من له النفقة، وأنه يأخذ ذلك بنفسه حتى يرد ما أورده السائل من خشية السرف في بعض الاحوال، بل المراد تسليم ما يكفي على وجه لاسرف فيه، بعد تبين مقدار ما يكفي بإخبار المخبرين، أو تجريب المجربين.
وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «بالمعروف» أي: لا بغير المعروف وهو السرف والتقتير.
نعم إذا كان الرجل لا يسلم ما يجب عليه من النفقة.
جاز لنا الاذن لمن له النفقة بأن يأخذ ما يكفيه، إذا كان من أهل الرشد، لا إذا كان من أهل السرف والتبذير، فإنه لا يجوز تمكينه من مال من عليه النفقة، لأن الله تعالى يقول: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}.
ثم قال: ولكن يجب علينا إذا كان من عليه النفقة متمردا، ومن له النفقة ليس بذي رشد، أن نجعل الاخذ إلى ولي من لارشد له، أو إلى رجل عدل. انتهى.
ومما يجب لها عليه من النفقة ما تحتاج إليه من المشط والصابون والدهن وسائر ما تتنظف به.
وقالت الشافعية: أما الطيب فإن كان يراد لقطع السهوكة، لزمه لأنه يراد للتنظيف، وإن كان يراد للتلذذ والاستمتاع، لم يلزمه، لأنه حق له، فلا يجبر عليه.
رأي الأحناف: أن النفقة غير مقدرة بالشرع، وأنه يجب على الزوج لزوجته قدر ما يكفيها من الطعام، والادام، واللحم والخضر، والفاكهة، والزيت، والسمن، وسائر مالابد منه للحياة حسب المتعارف. وأن ذلك يختلف باختلاف الأمكنة، والأزمنة، والاحوال. كما يجب عليه كسوتها صيفا وشتاء.
ورأوا تقدير نفقة الزوجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا أو عسرا مهما تكن حالة الزوجة، لقول الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا}.
وقوله سبحانه: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم}.
مذهب الشافعية في تقدير النفقة: والشافعية لم يتركوا تقدير النفقة إلى ما فيه الكفاية، بل قالوا: إنما هي مقدرة بالشرع، وإن اتفقوا مع الأحناف في اعتبار حال الزوج يسرا أو عسرا، وأن على الزوج الموسر وهو الذي يقدر على النفقة بماله وكسبه - في كل يوم مدين، وأن على المعسر الذي لا يقدر على النفقة بمال ولا كسب مدا في كل يوم. وأن على المتوسط مدا ونصفا.
واستدلوا لمذهبهم هذا بقول الله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فينفق مما آتاه الله}.
قالوا: ففرق بين الموسر والمعسر، وأوجب على كل واحد منهما على قدر حاله، ولم يبين المقدار فوجب تقديره بالاجتهاد، وأشبه ما تقاس عليه النفقة، الطعام في الكفارة.
لأنه طعام يجب بالشرع لسد الجوعة. وأكثر ما يجب في الكفارة للمسكين مدان في فدية الاذى.
وأقل ما يجب مد وهو في كفارة الجماع في رمضان. فإن كان متوسطا لزمه مد ونصف، لأنه لا يمكن إلحاقه بالموسر، وهو دونه، ولا بالمعسر وهو فوقه، فجعل عليه مد ونصف.
قالوا: ولو فتح باب الكفاية للنساء من غير تقدير لوقع التنازع، لا إلى غاية. فتعيين ذلك التقدير اللائق بالمعروف.
وهذا خلاف ما لابد منه في الطعام من الادام واللحم، والفاكهة.
وقالوا: يجب لها الكسوة، مع مراعاة حال الزوج من اليسار والاعسار، فلزوجة الموسر من الكسوة، ما يلبس عادة في البلد من رفيع الثياب. ولامرأة المعسر الغليظ من القطن، والكتان، ونحوهما. ولامرأة المتوسط ما بينهما.
ويجب لها مسكن على قدر يساره وإعساره وتوسطه، مع تأثيث المسكن تأثيثا يتناسب مع حالته.
وقالوا: إذا كان الزوج معسرا، ينفق عليها أدنى ما يكفيها من الطعام، والادام، بالمعروف.
ومن الكسوة أدنى ما يكفيها من الصيفية والشتوية.
وإن كان متوسطا، ينفق عليها أوسع من ذلك بالمعروف ومن الكسوة أرفع من ذلك، كله بالمعروف.
وإنما كانت النفقة والكسوة بالمعروف، لأن دفع الضرر عن الزوجة واجب، وذلك بايجاب الوسط من الكفاية، وهو تفسير المعروف.

العمل في المحاكم الان:
وما ذهب إليه الشافعية وبعض الأحناف من رعاية حال الزوج المالية، حين فرض النفقة، هو ما جرى به العمل الان في المحاكم، تطبيقا للمادة 16 من القانون رقم 25 لسنة 1929 ونصها: تقدير نفقة الزجة على زوجها بحسب حال الزوج يسرا، وعسرا، مهما كانت حالة الزوجة.
وهذا هو العدل، لأنه يتفق مع الايتين المتقدمتين.
تقدير النفقة عينا أو نقدا: يصح أن يكون ما يفرض من النفقة من الخبز، والادام والكسوة، أصنافا معينة، كما يصح أن تفرض قيمتها نقدا لتشتري به ما تحتاج إليه.
ويصح أن تفرض النفقة سنوية، أو شهرية، أو أسبوعية، أو يومية، حسب ما هو ميسور للزوج.
والذي يسري عليه العمل الان في المحاكم، هو فرض بدل طعام الزوجة شهريا، وبدل كسوتها عن ستة شهور باعتبار أنها تحتاج في السنة إلى كسوة للصيف، وأخرى للشتاء.
وبعض القضاة يفرض مبلغا شهريا للنفقة بأنواعها الثلاثة بدون تفصيل، مراعيا أن يكون فيما يفرضه لها كفاية لطعامها، وكسوتها، وسكناها، حسب حالة الزوج عسرا ويسرا.
تغير الاسعار أو تغير حال الزوج المالية: إذا تغيرت الاسعار عن وقت الفرض، أو تغيرت حالة الزوج المالية، فإما أن يكون هذا التغير في الاسعار إلى زيادة، أو إلى نقص، أو يكون تغير حالة الزوج المالية إلى ما هو أحسن، أو أسوأ.
ولا بد من رعاية كل حالة من هذه الحالات.
فإن تغيرت الاسعار عن وقت الفرض إلى زيادة، كان للزوجة أن تطالب بزيادة نفقتها.
وإن تغيرت إلى نقص كان للزوج أن يطلب تخفيض النفقة.
وإن تحسنت حالة الزوج المالية عما كان عليه حين تقدير النفقة، كان للزوجة أن تطلب زيادة نفقتها.
وإن تغيرت حالة الزوج المالية إلى أسوأ، كان للزوج الحق في طلب تخفيض النفقة.

.الخطأ في تقدير النفقة:

إذا ظهر بعد تقدير النفقة أن التقدير كان خطأ لا يكفي الزوجة - حسب حالة الزوج - من العسر أو اليسر - كان من حق الزوجة المطالبة بإعادة النظر في التقدير، وعلى القاضي أن يقدر لها ما يكفيها لطعامها، وكسوتها، مع ملاحظة حالة الزوج.
دين النفقة يعتبر دينا صحيحا في ذمة الزوج:
قلنا: إن نفقة الزوجة واجبة على زوجها، متى توفرت الشروط التي تقدم ذكرها.
ومتى وجبت النفقة على الزوج لزوجته، لوجود سببها، وتوفر شروطها، ثم امتنع عن أدائها تصير دينا في ذمته.
شأنها في هذا شأن الديون الثابتة، التي التي لا تسقط إلا بالاداء أو الابراء.
وإلى هذا ذهبت الشافعية، وجرى عليه العمل منذ صدور قانون رقم 25 لسنة 1920 فقد جاء فيه:
مادة 1 تعتبر نفقة الزوجة التي سلمت نفسها لزوجها، ولو حكما، دينا في ذمته، من وقت امتناع الزوج عن الانفاق مع وجوبه، بلا توقف على قضاء قاض، أو تراض بينهما، ولا يسقط دينها إلا بالاداء أو الابراء.
مادة 2 المطلقة التي تستحق النفقة.
تعتبر نفقتها دينا، كما جاء في المادة السابقة من تاريخ الطلاق.
وقد جاء مع هذا القانون تعليمات من الجهة التي صدر عنها.
وهي:
1- إن نفقة الزوجة.أو المطلقة، لا يشترط لاعتبارها دينا في ذمة الزوج - القضاء، أو الرضا - بل تعتبر دينا من وقت امتناع الزوج عن الانفاق، مع وجوبه.
2- إن دين النفقة من الديون الصحيحة، وهي التي لا تسقط إلا بالاداء أو الابراء.
ويترتب على هذين الحكمين:
1- إن للزوجة، أو المطلقة أن تطلب لها الحكم بالنفقة على زوجها، عن مدة سابقة على الترافع، ولو كانت أكثر من شهر، إذا ادعت أن زوجها تركها من غير نفقة، مع وجوب الانفاق عليها في هذه المدة، طالت أم قصرت.
ومتى أثبت ذلك بطريق من طرق الاثبات.
ولو كانت شهادة الاسكتشاف المنصوص عليها في المادة 178 من اللائحة حكم لها بما طلبت.
2- أن دين النفقة لا يسقط بموت أحد الزوجين، ولا بالطلاق - ولو خلعا - فللمطلقة مطلق الحق فيما تجمد لها من النفقة، حال قيام الزوجية، ما لم يكن عوضا لها عن الطلاق، أو الخلع.
3- أن النشوز الطارئ لا يسقط متجمد النفقة، وإنما يمنع النشوز مطلقا من وجوبها مادامت الزوجة، أو المعتدة ناشزا.
وبعد صدور هذا القانون، استغلته بعض الزوجات، في ترك المطالبة بالنفقة، حتى يتجمع منها مبلغ باهظ، ثم يطالبن الزوج بالمتجمد كله، مما يرهق الزوج ويثقل كاهله.
فرؤي تدارك هذا الأمر بما يرفع الضرر عن الازواج.
وجاء في الفقرة 6 من المادة 99 من القانون رقم 78 لسنة 1931 بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية، ما نصه: لا تسمع دعوى النفقة عن مدة ماضية، لاكثر من ثلاث سنين ميلادية، نهايتها تاريخ رفع الدعوى.
وجاء في المذكرة الايضاحية لهذا القانون، بشأن هذه الفقرة ما نصه: أما النفقة عن المدة الماضية فقد رؤي - أخذا بقاعدة تخصيص القضاء - ألا تسمع الدعوى بها لاكثر من ثلاث سنوات ميلادية. نهايتها تاريخ قيد الدعوى.
ولما كان في إطلاق إجازة المطالبة بالنفقة المتجمدة عن مدة سابقة على رفع الدعوى - احتمال المطالبة بنفقة سنين عديدة ترهق الشخص الملزم بها.
رؤي من العدل دفع صاحب الحق في النفقة إلى المطالبة بها، أولا فأولا، بحيث لا يتأخر أكثر من ثلاث سنوات، وجعل ذلك عن طريق منع سماع الدعوى.
وليس في ذلك الحكم ضرر على صاحب الحق في النفقة، إذ يمكنه المطالبة بها، قبل مضي ثلاث سنوات.
ولا زال العمل مستمرا بهذا القانون إلى اليوم: الابراء من دين النفقة والمقاصة به: وإذا كانت النفقة التي تستحقها الزوجة على زوجها تعتبر دينا في ذمته، من الوقت الذي امتنع فيه عن أدائها بغير حق شرعي - فإنه يصح للزوجة أن تبرئه من هذا الدين، كله أو بعضه.
ولو أبرأته مما يكون لها من النفقة في المستقبل لا يصح، لأنه لم يثبت دينا بعد، والابراء لا يكون إلا من دين ثابت فعلا.
ويستثنى من ذلك الابراء عن شهر واحد مستقبل، أو عن سنة واحدة - إن كانت النفقة فرضت مشاهرة، أو مسانهة.
وإذا كانت النفقة معتبرة دينا صحيحا، لا يسقط إلا بالاداء أو الابراء، وكان للزوج دين في ذمتها، وطلب أحدهما مقاصة الدينين، أجيب إلى طلبه لاستواء الدينين في القوة.
وللحنابلة رأي في المقاصة، فهم يفرقون بين أن تكون المرأة موسرة، أو معسرة، فإن كانت موسرة، فله أن يحتسب عليها بدينه مكان نفقتها، لأن من عليه حق فله أن يقضيه من أي أمواله شاء، وهذا من ماله.
وإن كانت معسرة لم يكن له ذلك، لأن قضاء الدين إنما يجب في الفاضل من قوته.
ودين زوجها الذي هو عليها لا يفضل عنها، ولان الله تعالى أمر بإنظار المعسر.
فقال: {وإن كان ذوعسرة فنظرة إلى ميسرة} فيجب إنظاره بما عليها.
تعجيل النفقه وطروء ما يمنع الاستحقاق: إذا عجل الزوج لزوجته نفقة مدة مستقبلة كشهر، أو سنة مثلا، ثم طرأ في أثناء المدة ما يجعلها لا تستحق النفقة، بأن مات أحد الزوجين أو نشزت الزوجة، فللزوج أن يسترد نفقة ما بقي من المدة التي لا تستحق نفقة عنها، لأنها أخذته جزاء احتباسها لحق الزوج، ومتى فات الاحتباس بالموت أو النشوز، فعليها أن ترد النفقة التي عجلت لها بالنسبة للمدة الباقية.
وإلى هذا ذهب الإمام الشافعي ومحمد بن الحسن.